حکمتيار: إلى برلمان باكستان؛ رسالة مفتوحة نيابةً عن الشعب المؤمن في أفغانستان

اکتوبر 31, 2025 - 12:29
 0  39
حکمتيار: إلى برلمان باكستان؛ رسالة مفتوحة نيابةً عن الشعب المؤمن في أفغانستان

بسم اللَّٰه الرحمٰن الرحيم

إلى برلمان باكستان

رسالة مفتوحة

نيابةً عن الشعب المؤمن في أفغانستان

تقبلوا تحياتي واحترامي وأطيب تمنياتي.

فيما يتعلق بالوضع المتوتر والحربي بين أفغانستان وباكستان، لديّ عدة عرائض أود أن أقدّمها:

نسمع أخبارًا خطيرةً وتهديدات بخسائرٍ وخيمةٍ من إسلام أباد — تهديداتٌ بحربٍ مباشرة. لا نفهم لماذا يظل العقلاء والمؤمنون من باكستانيين وأعضاء البرلمان صامتين ولا يمنعون مثل هذه التهديدات غير المسؤولة. لماذا يحدث ما تريده الهند؟ لماذا يُؤخذ انتقامُ (BLA) و (TTP) على الشعب الأفغاني واللاجئين الأفغان؟ لقد بدأت عملياتهم في وقتٍ كان فيه حلف الناتو لا يزال في أفغانستان؛ وقد منحَتْ أمريكا الهندَ إذنًا لتدريب ورعاية مجموعات مسلحة معادية لباكستان.

توقف دولتان جارتان مسلِمتان على أعتاب حربٍ خطيرة. يُطرد عدة ملايين من اللاجئين بالقوة، ويتعرّضون للإذلال والإهانة، وتُهدم بيوتهم بالبلدوزرات — وهذا ضد الرحمة والفضيلة والأخلاق الإنسانية! لا نفهم لماذا لا يتخذ برلمان باكستان موقفًا واضحًا وقاطعًا بشأن هذا الوضع الحساس ولا يَعمل على منع عواقبه السيئة! تُهان أمةٌ فخورة وتُهدَّد أرضها بالاعتداء — أمةٌ كانت ضحية سياساتِ جيرانها الخاطئة، والتي على مدى نصف قرنٍ سُفكَت دماؤها في حروبٍ دمويةٍ فُرضت عليها من قبل غزاة أجانب؛ وتدمّرت قراها وبيوتها؛ واضطر شعبها للنزوح؛ وقدّمت مئات الآلاف من الشهداء. هذه نتائجُ غزواتٍ قاسيةٍ شَنّتها القوات السوفييتية، ولاحقًا أمريكا وحلف الناتو.

القوات السوفييتية لم تأتِ من موسكو لمجرّد احتلال أفغانستان فحسب؛ فهي لم تكتفِ بالسيطرة على بلدنا وحده. بل كان شعار جنودها: «سنفكّ أربطة أحذيتنا على شواطئ كراتشي». لو أن الجيش الأحمر لم يُوقف في أفغانستان، لكان ذلك بالتأكيد قد حدث. لم تكن باكستان لتكتفِ باستضافة الجيش الأحمر السوفييتي فحسب، بل كانت لتواجه غزوةً مشتركةً من السوفييت والهند — وكانت النتيجة بلا شكٍ كارثيةً ولا تُصلح. إن جهاد الأفغان ومقاومتهم هما السبب في نجاة باكستان من غزوٍ مشترك وتقسيمٍ على يد موسكو ونيودلهي. كل باكستانيٍ وطني ومتعقل يفهم ويعترف بهذه الحقيقة.

أتذكّر أيامًا كان فيها الجميع — من الباكستاني العادي إلى الرئيس — يقولون: «جهاد أفغانستان هو دفاع باكستان». وستتذكّرون أيضًا الأيام التي قال فيها الرئيس الراحل ضياء الحق، ردًا على الأحزاب المُوالية للسوفييت والمعارضة للجهاد الأفغاني:

«بعضهم يروّج أن اللاجئين الأفغان ينوون البقاء في باكستان نهائيًا؛ بينما الأفغان وطنيوّون — يقدمون التضحيات من أجل حرية بلدهم. في اليوم الذي يحرّرون فيه وطنهم سيعودون جميعًا. وإن بقي بعضهم عن طريق الخطأ أو الحساب الخاطئ فماذا يضير؟ فهل مئة مليون باكستانيّ لا يطيقون ثلاثة ملايين أفغانيّ مجتهد؟ أنا نفسي مهجَّر من الهند، وملايين أمثالي مهجَّرون».

فلماذا تُهان أمةٌ بأكملها وتُنعتَ أنها جاحدة؟ يقدّر الأفغان معروفَ الشعبِ الباكستانيّ الذي منحَ اللاجئين ملاذًا ودعمًا لجهادنا الإسلامي ونضالنا من أجل الحرية. لكن هذا كان أيضًا واجبًا على باكستان من الناحية الدينية — ولم تكن لها، منطقيًا وأخلاقيًا، بدائل أخرى.

اللاجئون هم الذين هاجروا إلى باكستان بسبب غزو القوات السوفييتية — أولئك الذين دُمّرت أكثر من 1,200,000 من بيوتهم على يد ذلك العدو المشترك واضطرّوا إلى التوجه إلى باكستان. هناك وُضِعوا في صحارىٍ حارّة؛ وبنوا لأنفسهم أكواخًا من الطين؛ وتركوا أبنائهم الشبان في خنادق القتال — يسقط منهم شهيد ويُرسل آخر مكانه. والله أعلم، لولا تضحياتهم ومقاومتهم، فما الذي كان سيحل بباكستان بعد أفغانستان! كان السوفييت سيهاجمون باكستان من الغرب والهند من الشرق؛ وداخل باكستان كانت الأحزاب الموالية لروسيا والهند ستفعل ما فعله رفاقهم في أفغانستان.

لا أدري هل يتذكر الذين ينعتون الأفغان اليوم بالجاحدين أن تلك الجماعات نفسها رفعت ذات يوم أعلامًا حمراء في مدن باكستان ورقصت احتفالًا لقدوم القوات السوفيتية؟ ألا يتذكرون أن الرئيس آنذاك كان يكرر: "إننا مدينون للمجاهدين الأفغان الذين أوقفوا القوات السوفيتية. لو لم يكونوا هم ومقاومتهم، لكانت مواجهة السوفييت في باكستان أمراً بالغ الصعوبة. لو اجتازوا جبال وأودية أفغانستان لما كانت مواجهتهم ممكنة في سهول باكستان."

فلماذا لا نسمع اليوم من حكام باكستان نفسَ الأقوال التي كانت تعكس واقعَا قبل خمسة وثلاثين سنة؟ الآن، في عام 2025، تضاعف عدد سكان باكستان إلى ما يقارب مرتين ونصف مما كان عليه آنذاك؛ (255 مليونًا). لماذا لم يكن هناك ضجر أو نفاد صبر تجاه هؤلاء اللاجئين المظلومين المظلومين آنذاك، بينما اليوم نرى منه الكثير؛ لماذا نُسيت تلك الأقوال السابقة؟ لماذا يُنعت المحسنُ الآن بالجاحد؟ ولماذا تهدِمون اليوم منازل هؤلاء اللاجئين المظلومين بالجرافات— بيوتًا بنوها ببثور أيديهم وعرق أجسادهم — كما تقوم الشرطة الباكستانية اليوم بترحيلهم قسرًا وباهانةٍ لا مثيل لها وتدمير تلك البيوت بالجرافات!

هل ينكر أي باكستاني عقلاني أن تحول باكستان إلى الدولة الإسلامية النووية الوحيدة كان بفضل بركة جهاد الأفغان؟ لو لم يكن ذلك الجهاد، لما سمحت أمريكا أبداً لباكستان بتطوير القنبلة الذرية.

سواء بقي اللاجئون الأوائل في باكستان أو قدِم آخرون إليها بسبب الحرب المفروضة من قبل أمريكا، فإن إسلام أباد شريك في المسئولية — لأنها قدمت دعمًا كاملًا لأمريكا في احتلال أفغانستان. لقد شُنّت ضربات أمريكا من أجواء وأراضي باكستان، ومررت إمداداتها عبر باكستان أيضًا. كم من أفغاني سلّمه الجنرال برويز مشرف إلى أمريكا وقيُدّت يداه؟

لو أنه بعد انسحاب القوات السوفييتية تشكَّلت حكومة في أفغانستان بموافقة شعبها، ولو أن إسلام أباد لم تكن قد انضمت وساعدت التحالف المفضَّل لدى الـKGB والـCIA، لما بقي اللاجئون في باكستان حتى اليوم، ولَما وصل الحال إلى احتلالٍ أمريكي لأفغانستان دام عشرين عامًا، ولَما كانت باكستان وأفغانستان اليوم واقفتين على أعتاب حربٍ دمويةٍ بين المسلِمين.

الحرب الجارية في أفغانستان بدأت في الوقت الذي نفذّت فيه موسكو انقلابًا عبر الضباط الشيوعيين الموالين لها تحت قيادة سردار داود؛ فسقط النظام الملكي، وانتقلت السُلطة إلى أيدي الشيوعيين. وبالتزامن مع هذا الانقلاب بدأت سلسلة الانفجارات في باكستان. في تلك الفترة كانت حكومة حزب الشعب هي التي تحكم باكستان. كنتُ مُطارَدًا من قِبل حكومة داود، وصُدر بحقي حُكْم إعدام غيابي، كما اعتُقل عدد كبير من أفراد الحزب الإسلامي وقُتل بعضهم. أرسل لي بعض الإخوة الأفغان والباكستانيين رسالةً تفيد بأن الحكومة هناك مستعدة لمنحنا اللجوء.

ذهبتُ هناك في وقتٍ كنتُ أسمع فيه دويّ الانفجارات كل يوم. اغتيل وزير المقاطعة آنذاك في إقليم الحدود الشمالية الغربية، حياة محمد شيرباو؛ كان قاتله قد تدرب في كابل، وكان على صلة بجماعةٍ زعماؤها جميعًا ذهبوا واستقرّوا في كابل، وكانوا ينتظرون اليوم الذي سيُحضرون فيه إلى إسلام أباد على متن طائرات ودبابات روسية، كما حدث مع ببرك.

مع انقلاب داود كانت تَلُوح الأعلام الحمراء في باكستان؛ والموالون يرتدون قبعاتٍ حمراء ويرقصون استقبالًا للقوات الروسية؛ وفي أشعارهم وشعاراتهم، كانوا يدعونهم للقدوم. من يعرف الحقائق التاريخية يعلم أن سلسلة الانفجارات والاغتيالات في باكستان كانت قد بدأت في ذلك الوقت، وأن هذه السلسلة توقفت عندما وصلت أولى مجموعات اللاجئين الأفغان إلى باكستان.

ساهم اللاجئون في أمن باكستان، ولم يكونوا سببًا في عدم استقرارها. إن عدم استقرار باكستان ينجم إمّا عن تدخلات منافسيها الأقوياء، أو عن سياسات إسلام أباد الخاطئة.

كما يجب أن تعلموا أن إيران قد رحّلت عددًا أكبر من اللاجئين الأفغان مقارنةً بباكستان؛ لكن اليوم طلبت من حكومة كابل إرسال مئتي ألف (200,000) أفغاني إلى إيران للعمل. وفي هذا الشأن تبدو كابل باردةً وصامتةً، أما طهران فباستعجال كبير قد بدأت عملية منح تأشيرات لمدة تسعة أشهر. الأشخاص العقلاء المدركون لحساسية وضع المنطقة يفهمون جيدًا ما وراء هذا القرار: الوضع الحربي في المنطقة، وتهديدات أمريكا وإسرائيل لإيران، وتهديدات باكستان بشنّ الضربات على كابل، إلى غير ذلك — كل ذلك دفع طهران لإبرام هذه الصفقة مع قندهار. يعتقد كثير من المحللين أن هذه المسألة مرتبطة بحالةٍ حربيةٍ بين أفغانستان وإيران.

إن كنّا قد نسينا ما حدث في السابق، فهل تتذكرون حين دخلت طالبان كابل قبل أربع سنوات؟ كانت إسلام أباد مسرورة جدًا؛ أرسلت مرارًا رسائل تهنئة إلى كابل، وأرسلت وفودًا رفيعة المستوى، وقال بعض المسؤولين الباكستانيين: «هذا انتصار عظيم لباكستان؛ نحن من أوصلنا طالبان إلى كابل مرتين». فما الذي حدث حتى تحول أصدقاء الأمس إلى أعداءٍ إلى هذه الدرجة، بحيث تقوم اليوم طائرات باكستان الحربية بقصف أهدافٍ قرب القصر الرئاسي في كابل؟ تقول باكستان: هذه الضربات استهدفت مخابئ (TTP) ومركبة زعيمهم؛ لكن طالبان لا تقبل هذا وتقول: لقد انفجر ناقل وقود هنا! الحقيقة ليست مخفيةً على أي أفغاني أو باكستاني عاقل.

على طول خط دوراند، في تسع ولايات، اندلعت معارك دموية أسفرت عن مئات القتلى والجرحى. وخلال المرحلة الثانية من محادثات إسطنبول قال وزير دفاع باكستان: «إذا باءت المفاوضات بالفشل فسنبدأ حربًا مباشرةً مع طالبان». ورَدًّا على هذه التهديدات قالت الهند: «سنقف إلى جانب طالبان»!

قال رئيس أمريكا، ترامب: «سأحل نزاع أفغانستان وباكستان بسرعة وسهولة». لكن سفيره السابق جاء إلى كابل، واجتمع مع كبار المسؤولين، وقال: «الصدامات الأخيرة بين باكستان وأفغانستان عززت المصداقية الدولية للإمارة وأظهرت أن طالبان مستقلون وذو سيادة». ومعنى ذلك أنه كان يشجّع طالبان على الحرب! فهل هو ممثل أمريكا أم الهند؟ لمن يدعو إلى الحرب ويعمل لصالحها؟

من المناسب أن أذكّركم هنا بحادثة من ذلك الزمن حين اتفق البيت الأبيض والكرملين على أن تنسحب القوات السوفيتية من أفغانستان بكرامة وأمان، دون أن تتعرض قوافلها للهجوم؛ وأن تبقى حكومة نجيب على حالها؛ وأن تستمر المساعدات المالية والعسكرية من موسكو لها؛ وأن تُقطع كل المعونات عن المجاهدين؛ وأن يُنشأ في كابل ائتلاف وحكومة ائتلافية ترضي كلًا من موسكو وواشنطن، تجمع بين الشيوعيين الموالين للسوفييت والغربيين الموالين لأمريكا، ومهمتهم كانت إتمام حرب الاتحاد السوفييتي غير المكتملة، ونزع سلاح الأفغان، ومنع المجاهدين من إقامة حكومة إسلامية في أفغانستان.

تم توقيع الاتفاق المعني في سويسرا. وأعلنت أمريكا أنها تريد انسحاب القوات السوفيتية من أفغانستان بكرامة وأمان، دون أن تتعرض قوافلها للهجوم أثناء الانسحاب. وبخصوص هذا الاتفاق أعلنّا أننا نعتبره مجرد تفاهم بين البيت الأبيض والكرملين؛ الأفغان لم يكونوا موجودين فيه ولا مُلزمين بتعهداته. وستستمر هجمات المجاهدين على القوات الروسية حتى يغادر آخر جندي روسي أراضي أفغانستان.

في ذلك الحين أخبرني مسؤولون باكستانيون أن ضابطًا أمريكيًا مهمًا رغب في مقابلتي وقال إنه يحمل رسالة خاصة ومهمة لي؛ ولم يكن معروفًا ما هي الرسالة. وخلال اللقاء سمعت أشياء أذهلتني، وأود أن أخبركم بها اليوم: لقد طلب اللقاء لنقل رسالةٍ من الرئيس ريغان: » الرئيس يبعث لكم تحياته وأطيب تمنياته ويقول: نحن نقدر ونؤيد قراركم بمواصلة الهجمات على القوات الروسية «

دهشت أن الرئيس من جهة يقدّم التزامًا لغورباتشوف ويعلن أمام العالم أنه يريد انسحاب القوات السوفيتية من أفغانستان بكرامة وأمان، وفي الخفاء يثمّن قراري بأن تواصل قوات المجاهدين هجماتها على القوات السوفيتية حتى يعبر آخر جنديٍ منهم الحدود ويغادر!

اليوم تتكرر تلك التجربة القديمة نفسها: يُقال علنًا شيء عن الحرب بين أفغانستان وباكستان، وفي الخفاء يُنفذ عكسه تمامًا.

لم تخلق طالبان ولا أي طرف أفغاني آخر المعارضات المسلحة داخل باكستان؛ بل نشطت هذه المجموعات خلال عشرين عامًا من الاحتلال. وإذا كانت الهند رعت ودربت بعض الجماعات، فالمسؤول عن ذلك هو أمريكا التي منحت الهند إذنًا للقيام بعمليات استخبارية ضد باكستان عبر أفغانستان. فإذا شكّت باكستان في أحد حول هذا الموضوع، فيجب أن يكون شكّها موجهًا إلى أمريكا لا إلى أفغانستان.

وبناءً على هذا، ساءت علاقة باكستان مع أمريكا، وفي عام 2004 استعادت دعمها لطالبان واستمر هذا الدعم حتى 2021. وسأل زعيم حزب ديني-سياسي باكستاني الحكومة: «لماذا أرسلتم ثلاثين ألفًا (30,000) من شباب باكستان (الذين صاروا طالبان) إلى أفغانستان للقتال؟» هؤلاء الشباب لم يُرسلوا للقتال ضد السوفييت ولا ضد أمريكا، بل أُرسلوا لخوض حروب داخلية ولدعم ولاءات طالبان الأفغان. قُتل آلاف منهم عندما بدأت الضربات الأمريكية في شمال أفغانستان — بعضهم بقنابل وصواريخ، وبعضهم بعد أسرهم أُعدموا — وسُلِّم عددٌ منهم إلى باكستان بعد أمدٍ طويلٍ من الأسر.

في ضوء هذه الحقائق، نأمل أن تتبنّى إسلام أباد ستراتيجية سياسيةً جديدةً بنّاءةً ودائمةً تجاه أفغانستان، بحيث يتسنّى لكلتا الدولتين المسلِمتين الجارتين حلّ نزاعاتهما بطريقةٍ عادلة ومعقولة، بصبرٍ وحكمة، وبدون التدخل في الشؤون الداخلية لبعضهما البعض أو دعم ومساندة الجماعات المسلحة المعارضة.

                                                                                          مع الاحترام.

                                                                                      حكمتيار

حکمتيار د حزب اسلامي افغانستان محترم امير حکمتيار